الشوكاني

309

فتح القدير

قالوا يا ذا القرنين . قال النحاس : وهذا الذي ذكره لا يلزم لجواز أن يكون الله عز وجل خاطبه على لسان نبي في وقته ، وكأن ذا القرنين خاطب أولئك القوم فلا يلزم ما ذكره . ويمكن أن يكون مخاطبا للنبي الذي خاطبه الله على لسانه ، أوخاطب قومه الذين وصل بهم إلى ذلك الوضع . قال ثعلب : إن في قوله ( إما أن تعذب وإما أن تتخذ ) في موضع نصب ، ولو رفعت لكان صوابا بمعنى فأما هو كقول الشاعر : فسيروا فإما حاجة تقضيانها * وإما مقيل صالح وصديق ( وأما من آمن ) بالله وصدق دعوتي ( وعمل ) عملا ( صالحا ) مما يقتضيه الإيمان ( فله جزاء الحسنى ) قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم وابن كثير وابن عامر " فله جزاء " بالرفع على الابتداء : أي جزاء الخصلة الحسنى عند الله ، أو الفعلة الحسنى وهى الجنة قاله الفراء . وإضافة الجزاء إلى الحسنى التي هي الجنة كإضافة حق اليقين ودار الآخرة ، ويجوز أن يكون هذا الجزاء من ذي القرنين : أي أعطيه وأتفضل عليه ، وقرأ سائر الكوفيين " فله جزاء الحسنى " بنصب جزاء وتنوينه . قال الفراء : انتصابه على التمييز . وقال الزجاج : هو مصدر في موضع الحال أي مجزيا بها جزاء ، وقرأ ابن عباس ومسروق بنصب " جزاء " من غير تنوين قال أبو حاتم : هي على حذف التنوين لالتقاء الساكنين . قال النحاس : وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين . وقرئ برفع " جزاء " منونا على أنه مبتدأ ، والحسنى بدل منه والخبر الجار والمجرور ( وسنقول له من أمرنا يسرا ) أي مما نأمر به قولا ذا يسر ليس بالصعب الشاق ، أو أطلق عليه المصدر مبالغة ( ثم أتبع سببا ) أي طريقا آخر غير الطريق الأولى وهى التي رجع بها من المغرب وسار فيها إلى المشرق ( حتى إذا بلغ مطلع الشمس ) أي الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولا من معمور الأرض ، أو مكان طلوعها لعدم المانع شرعا ولا عقلا من وصوله إليه كما أوضحناه فيما سبق ( وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ) يسترهم ، لا من البيوت ولا من اللباس ، بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شئ من العمارة . قيل لأنهم بأرض لا يمكن أن يستقر عليها البناء ( كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ) أي كذلك أمر ذي القرنين أتبع هذه الأسباب حتى بلغ ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به ، وقيل المعنى : لم نجعل لهم سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية والثياب ، وقيل المعنى : كذلك بلغ مطلع الشمس مثل ما بلغ من مغربها ، وقيل المعنى : كذلك تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم ، فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين ، ويكون تأويل الإحاطة بما لديه في هذه الوجوه على ما يناسب ذلك كما قلنا في الوجه الأول . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يا محمد إنك إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين . إنك سمعت ذكرهم منا ، فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد . قال : ومن هو ؟ قالوا ذو القرنين . قال : ما بلغني عنه شئ ، فخرجوا فرحين قد غلبوا في أنفسهم ، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ( ويسألونك عن ذي القرنين ) . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما أدري أتبع كان نبيا أم لا ؟ وما أدري أذو القرنين كان نبيا أم لا ؟ وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا ؟ " وأخرج ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال : سئل علي عن ذي القرنين أنبي هو ؟ قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول : هو عبد ناصح الله فنصحه . وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن أبي عاصم في السنة وابن مردويه من طريق أبي الطفيل أن ابن الكواء